على بالي

شاهدتُ مقابلة طويلة مع مدير محطّة «الجزيرة» في طهران، عبد القادر فايز. ذكّرَتني المقابلة الممتعة بأفضل ما كنت أُحبّه في المحطّة التي توقّفتُ عن استهلاكها أو الظهور فيها: أنّ لديها بعض المراسلين الضليعين والمُتمرّسين والحِرفيّين. هذا ما لا تجده أبداً في المراسلين الغربيّين في بلادنا. تجربة فايز مميّزة لأنّه عربيّ اختار طَوعاً الدراسة في إيران في مجال الإعلام.
تغلغل في المجتمع الإيراني (بعفويّة وليس تآمرياً) وأتقنَ اللّغة الفارسيّة (وهو على حقّ في أنّ الفارسيّة أصعب ممّا تبدو للعربي، أو كما بدَت لي عندما درستُها: لأنّك في البداية تغترّ بالمفردات العربيّة فتظنّ أنّك «ستدبّر حالك»). تكوّنَ لديه فهم عميق لإيران بعيداً من التعميمات. لكنّه تكلّم على المفاهيم المُسبقة لدى العرب عن الإيرانيّين، وأنّه لم يجد صنواً لذلك في تركيا. لكنّ السبب واضح وإن كان فايز لم يذكره. هناك إنفاق بالمليارات من قِبل أنظمة الخليج والغرب (خصوصاً السعوديّة) لتشويه صورة إيران في أذهان العرب. وكان هناك قرار رسمي أميركي بعد عام 2003 من أجل إذكاء نار الفتنة السُّنيّة-الشيعيّة لتوطيد دعائم الاحتلال في العراق، وأصبحت الفتنة مشروعاً طارئاً عند إسرائيل وحلفائها (العرب والغربيّين) بعد 2006؛ لأنّ الفتنة وحدها كفيلة بتقويض دعائم المناصرة الشعبيّة العارمة للحزب بعد انتصار تمّوز. لماذا لم يكن هناك انتشار لكراهية الفرس والصفويّين وإيران في زمن الشاه حليف إسرائيل؟
لكنّ فايز على حقّ أنّ إيران تُسهم أحياناً في ترسيخ بعض الصور المُسبقة عنها (عبر تصريحات عنجهيّة أو الفشل في صدّ مشروع الفتنة الطائفيّة). لكنْ، أيُّ كلام إيراني بريء (من نوع «ندعم صمود الشعب اللّبناني») يتحوّل في الجوّ السياسي اللّبناني الموبوء والمشبوه (بحُكم خضوعه لمنظومة التحالف الإبراهيمي) إلى تصريح خطير يستحقّ التنديد. نجحت بروباغندا الحلف الخليجي كثيراً، وفايز على حقّ: تأسّست قناة «العالم» في السنة نفسها لتأسيس «العربيّة»، والأخيرة نجحت والأُولى اندثرت، وليس بسبب فقر التمويل. لكنْ هل يُعقل أن يعمّ العالم العربي عداء لإيران يفوق العداء لإسرائيل؟ ثم تتساءلون عن سبب استكانة «الشارع العربي» خلال الإبادة؟
